الشيخ محمد الصادقي الطهراني

118

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

صارمة للنظام الاقتصادي الإسلامي ، تتكفل التعاون والتكافل المتمثل في إنفاقات مفروضة وسواها ، زكَوات وسواها ، رفضاً كل الأنظمة الإفراطية والتفريطية بحق الفقراء البائسين ، رفعاً لكيانهم في كل انفاق إلى مستقر عز ، جاعلًا أيديهم مَثلًا ليد اللَّه ، وكأن اللَّه هو الذي يأخذ الصدقات . فقد يراعي اللَّه تعالى في الإنفاق على المعدمين رفعهم إلى مكانة أعلى من الواجدين ، وكأنهم هم الفقراء إليهم حيث يكسبون مرضات ربهم بما ينفقون ، دون منٍّ أو اذىً ، بل هو انفاق بكل تبجيل واحترام ، بعيداً كل البعد عن اي تخجيل واخترام . فقد كان هناك الإنفاق قريناً بتخيل الفقر من وراءِه ، أم قريناً بالنفاق ، فكان من يضن بالمال إلّا برباً ، أو ينفقه كارهاً مرائياً ، أم يُتبِع ما ينفقه بمن أو أذى ، أو يقدم الرديءَ من ماله احتجازاً للجيد منه ، وهذه الآيات تعالج كل بأس وبؤس وعرقلة مادية أو معنوية في سبيل الإنفاق ، ولكي يجد البائس الفقير نفسه عزيزاً غنياً حين ينفَق عليه ويده هي العليا حين يأخذ الصدقات . فقد يعالج القرآن نكبة الفقر مادياً ومعنوياً بأسلوبه الفريد في واجب الانفاق وراجحة بصورة اديبة وسيرة أدبية فريدة ، كسراً لسورة الترف وثورته ، وجبراً لفورة الفقر وستراً لعورته ، تنديداً شديداً مديداً بالأغنياء المترفين البخلاء ، وكما نسمعه من امام المتقين على أمير المؤنين عليه السلام : « وقد أصبحتم في زمن لا يزداد الخير فيه الا إدباراً والشر فيه إلا إقبالًا والشيطان في هلاك الناس إلا طمعاً ، فهذا أو ان قويت عدته وعمت مكيدته وأمكنت فريسته ، اضرب بطرفك حيث شئت هل تبصر إلا فقيراً ، أو غنياً بدل نعمة اللَّه كفراً ، أو بخيلًا اتخذ البخل بحق اللَّه وفراً ، أو متمرداً كأن بأذنه عن سمع المواعظ وقراً » . « مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ » « 1 » . الإنفاق لغوياً هو الإفناء ، ان يؤتي ما يؤتيه دون اي مقابل من المؤتى له ، لا مادياً ولا معنوياً ، فإنما « ينفقون أموالهم في سبيل اللَّه » دون مقابل إلا مرضاة اللَّه . فهو إفناء للمال في ظاهر الحال ، وهو تجارة مربحة بمئآت الإضعاف في باطن الحال متمثلة هنا ب « حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبة مائة حبة » فهي - إذاً - بالنتيجة سبعمائة حبة ، بل

--> ( 1 ) . 2 : 261